الرئيسية / كتاب الصحيفة / بيئة الشقر متعددة العناصر

بيئة الشقر متعددة العناصر

للطبيعة والتنوع البيئي دوراً هاماً في إثراء موارد الإلهام لدى شاعر الألحان المتعددة في ألوان “الشقر ” أو (الجناس) المختلفة بمنطقة الباحة، ومنها طرق الجبل ، ذلك الموال الذي كانت تصدح به النساء في بطون الأودية ، ويطرب لسماعه الرعاة في سفوح الجبال ، والفلاحين في مزارعهم ، وهو شبيه بلحن البحارة مثل قول شاعر الغزل الأول في هذا اللون الشاعر أحمد بن جبران توفي عام 1350هـ وفي إحدى روائعه الغزلية يقول شاكياًً :

قال أحمد بن جبران لو باشكي على الفَوْقْ
مـال شِعْبهْ ما طَلَعْ فوق
والشمس لو باشكي عليها أحزان كَبْدِيْ
مالمشرق ما عاد تَبْدِيْ
والريح لو بشكي عليها ، ما تِهِبّـهْ
مالبحر تُصْدُرْ مَغَبـّهْ
والزرع لو بشكي على نَبْتهْ يِبِسْ مَـَاتْ
وآغَدَتْ بالنّاس الاوقات
على الذي كِنّ المَحَضْ يغشى جبينه
والليالي كُحل عينه
والمِسْك نِسْمهْ والعِطر شمـّات ريحه ..

ولقراءة هذه القصيدة الجميلة ، نجد أن الشاعر أجاد أولاً في صناعة القوافي التي يسهل تناولها في الجناس لدى الشاعر الذي سيرد على هذا البدع . فالقافيه الأولى (الفوق ) تعني النبات لورود كلمة(شِعْبه) أي الِشِعِبْ في الشطر الثاني ، وهي من الكلمات الفصيحة ، والأخرى في الشطر الثاني (فوق) وهي تعني الصعود والإرتفاع للنبات .
وبهذا الشكل يتجلى معنى الجناس في القافية بشرح الشطر الطويل بالشطر القصير لتسهيل فهم المعنى لدى المتلقي .
وفي مجال الإستعارة والتشبيه، فقد أجاد الشاعر في وصف بياض الجبين بالمحض ، وهو حليب الإبل ناصع البياض ، ثم استعار ظلمة الليل للكحل الأسود ، وهذا التضاد بين اللونين من فصاحة الشاعر وبلاغته المتناهية . لأن ذلك الوصف يعد من طباق الإيجاب في البلاغة مثل الجمع بين الضحك والبكاء والليل والنهار .
وفي الشطر الأخير الذي يسمى قفل القصيدة تظهر براعة الشاعر في التشبيه دون ذكر الأداة في قوله : (المسك نسمه والعطر شمات ريحه) وهذه القفلة لا تأتي إلا في طرق الجبل ولون الزهيري المعروف في العراق والكويت وبعض دول الخليج من هذا اللون الذي تعد سراة الأزد بمنطقة الباحة موطنه الأصلي ، كما أن هذا اللون المسى (طرق الجبل) يعد من اعذب انواع الشعر، حيث يجد المتلقي للقصيدة متعةَ في فك هذه المفردات الجميلة كقول أبي تمام : 
( فأصبحت غُرَرُ الأيام مشرقةٌ …
بالنصر تضحك عن أيامك الغُرَر..

فكلمة “غرر” الأولى استعارة من غرر الوجه ، وكلمة الغرر في الشطر الثاني مأخوذة من غُرّة الشئ أي أكرمه ، فاللفظ إذاً واحد والمعنى مختلف. 
ونعود لشاعرنا إبن جبران وهو يمتدح ظهور الشيب الأبيض في رقعة من الشعر الأسود الحالك ، ويرى أنه وقار شريطة أن يوافق عقلاً ناضجاً ومتزناً لدى حامله فقال :
يقول ابن جبران بعض الشـيب فضَّـاح
إن رضي المخلوق وان ضاق
إن كان حاظى الشيب عاقل ، َونْعَمْ الشيب
مـا علـى نقّـالته عيب
وإن كان عقله ضايعٌ ، فالشيب ضايع !!

وهنا يعني الشاعر ابن جبران أنه مهما اشتد حرصنا على إخفاء بياض الشيب ، فإنه حتماً سيظهر ويتضح كوضوح النهار عندما ينسلخ من الليل ،إلا أن الشيب وقار ويرى أنه حلية الرجل العاقل وهو كقول أبو العتاهية :
لاح شيب الرأس مني فاتضح … بعد لهوٍ وشباب ومرح
فلهونا وفرحنا ، ثم لم … يدع الموت لذي اللب فرح 
ومن النماذج القديمة لشعراء الجناس في منطقة الباحة ، الشاعر على الغبيشي وهو من الشعراء المتمكنين في لون “الجبل ” وله هذاين البيتين في البدع والرد نوردها هنا كأنموذجاً لهذه الصناعة اللفظية ، من قصيدة خماسية له :
قال الغبيشي ضاميٌ ( والما سلاوي)
ما يصح الراس (لولاه)
والرد: 
ياخاتمٌ فيك الذهب (والماس لاوي) 
صايغه رشه ( ولولاه)
وهذا قول جميل نتركه للقارئ ليفك هذه الشفرات من الرموز ويستخرج أبعاد القصيدة من خلال المفردات بين الأقواس من الجناس التام كقول الشاعر الفصيح : 
عضنا الدهر بناببه .. ليت ما حل بنا به .
ولم يتوقف الجناس الذي وضع له مصطلح (الشقر) في منطقة الباحة على لون الجبل ، ولكنه الأقوى والأكثر تعقيداً ولا يجيده إلا القدماء من شعراء الباحة ، كما أن للنساء أيضاً مشاركات في هذا اللون وأغلب شاعرات المنطقة يفضلن لون “اللعب ” إلا أنهن يبدعن في التجنيس بهذه الصناعة اللفضية كقول إحداهن:
نسيت مسواكي على بير منساك …. أنسى الولد والوالده وانت منساك !!
فكلمة (منساك) الأولى هي إسم بئر ، وكلمة (منساك) الأخرى في قافية هذا البيت وتعني النسيان .
وقول إحدى الشاعرات في حقبة زمنية تعود لأكثر من 120عاماً أثناء عملية الصرام الشاقة في “الحمى ” عبر سلسلة من الجبال الشاهقة أثناء التحطيب وجمع العلف للمواشي قالت هذه المسجوعة :
حيا حيا في “الحمى ” ، حلّ الصفا دونه 
ما يوصله غير عذرا أو كل دندونه .
إلا ان طرق الجبل يضل الأكثر جودة في صناعة الجناس وأكثرها متعة وتأملاً وغزارة .

شاهد أيضاً

مجموعة انسان

بسم الله والحمد لله ولا اله الا الله والصلاة والسلام على خير البريه سيدنا محمد ...

تعليق واحد

  1. مقال ممتع جدا لم أمّل من قرأته وعندما وصلت لأخر سطر تمنيت ان هناك المزيد
    الله يعطيك العافية يابراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.